"سلوك القطيع و منافاة العقل الواعي!"

"سلوك القطيع و منافاة العقل الواعي!"

هذه الظاهرة تعود إلى نظرية العقل الجمعي (أو ما يعرف بالأثر الاجتماعي المعلوماتي)، وهي ظاهرة نفسية تعتقد فيها الجماهير بأن سلوكيات الجماعة في مواقف معينة تعتبر سلوكاً صحيحاً. وتسمى هذه الظاهرة ب (سلوك القطيع)، وهي من أدلة تأثير الجماعة والبيئة على سلوك الأفراد واستجابتهم لمواقف الحياة المختلفة! من معالم ظاهرة سلوك القطيع إن الأفراد يمتلكون قابلية عالية للانصياع إلى قرارات تفرضها سلطة الجماعة على سلوكياتهم والتي تحدد طبيعة و شكل استجاباتهم للقضايا الاجتماعية والمواقف الحياتية التي يواجهونها، وهذا بغض النظر عن قناعاتهم الشخصية أو معاييرالصواب و الخطأ حيال تلك المواقف!! تكمن المشكلة في ظاهرة سلوك القطيع أن الفرد يكون في حالة غير واعية لعملية التغير التي تحدث في سلوكه، والتي بالتأكيد تؤثر علىسلوكياته و قراراته وأحكامه اتجاه القضايا والمواقف التي يتعامل معها في محيطه الاجتماعي، معتمداٌ في ذلك (بلا وعي) على قرارات وأحكام مسبقة تم اكتسابها من قبل الجماعة، واستحضارها بشكل (تلقائي) لإصدار الحكم على القضية أو الموقف دون تحليله أو دراسته بشكل مستقل ‏ذاتيًا، و فكريًا، و عاطفيًا من قبل الفرد! يتصاحب ذلك مع اعتقاد تام من الفرد بأن الآخرين يمتلكون معرفة أكثر من المعرفة التي يمتلكها، فلذلك يشعر الفرد أن رأي الآخرين أصوب وأولى بالاتباع بدلاً من إعمار عقله والخروج برأيه الشخصي، وتسمى هذه الظاهرة ب "ظاهرة الإثبات الاجتماعي"!

التغير السلوكي المبني على سلطة الجماعة

المشكلة تكمن في إن التغير الذي يحدث في سلوك الأفراد ‏بناءً على سلطة الجماعة يصدر بشكل تلقائي مدفوعاً بما نسميه بالعقل اللاوعي أو اللاإرادي، أو ما يسمى ب (العقل الباطن)، ويعود سبب ذلك في رغبة الفرد في الاندماج في روح الجماعة. غالباً، الأحكام والقرارات التي تصدر من اللاشعور تكون موضع اشكاليات لانها (تحدث بشكل تلقائي) دون تمحيص أو تدقيق حول صحةالحكم أو القرار! ‏وبما أن الأحكام والقرارات التي تصدر من اللاشعور لها صفة التلقائية، فإن قدرة الفرد على الاختيار في هذي الحالة ‏تكونضعيفة جداً لعدم معرفته ووعيه التام بآلية اتخاذ القرار في حالة اللاوعي أو اللاشعور!

ما هو العقل الواعي و ما هو العقل اللاواعي؟

العقل الواعي هو الجزء المسؤول عن جميع الأنشطة المقصودة في العقل البشري، والتي يقوم بها الإنسان بشكل إرادي واختياري من أجلاحداث تغيير في الواقع أو البيئة التي يعيش فيها. يقوم العقل الواعي على مبدأ الحساب والمنطق واسترجاع و معالجة المعلومات من أجل الوصول إلى حكم أو نتيجة منطقية حيال الموقف الذي يواجهه الفرد.

فمثلاً، لو طُلب منك أن تُجيب على سؤال ماهو مجموع (٦+٣=؟)، وقمت بعمل ذلك، فهنا تكون قد استخدمت العقل الواعي للقيام بهذه المهمة.

أما العقل اللاواعي فهو الجزء المسؤول عن الأنشطة اللإرادية لدى الإنسان مثل تنظيم العمليات الجسمية كالتنفس والتوازن الهرموني في جسمالانسان وغيرها من الوظائف الحيوية، والتي تتم و يقوم بها العقل البشري بلا وعي أو إرادة من الانسان. فمثلاً، التغير المفاجئ في المشاعر نتيجة التفكير السلبي حول أمر ما يعتبر نشاط من أنشطة العقل اللاواعي والتي تحدث بدون رغبة أو إرادة من الإنسان. إن من أهم الوظائف الرئيسيّة للعقل اللاواعي هو حفظ، وأرشفة، وتخزين المعلومات من الأحداث والمواقف الحياتية، وذلك لكي يسترجعها العقل الواعي عند الحاجة إليها. لذا فالعقل اللاواعي هو كشريط تسجيل لمجريات حياتك، ثم يقوم بإعادة تلك المجريات أو الأحداث بمافيها من معلومات عند الحاجة لها؛ لذا يمكننا تشبيهه بوحدة تحزين ضخمة جداً تحتوي على كافة خبراتك ومعارفك الحياتية. تكمن اشكالية العقل اللاواعي في عدم قدرته على معالجة المعلومات؛ فهذه وظيفة العقل الواعي بعدما تتم عملية استرجاع المعلومات المحفوظة والمخزنة في العقل اللاواعي.


آلية اتخاذ القرار في حالة اللاوعي ‏أو اللاشعور


القرارات التي تصدر من اللاوعي تكون مبنية على عنصرين هامين في حياة كل انسان وهما:

١- الخبرات السابقة التي يمتلكها الفرد حول القضية أو الموقف الإشكالي الذي يواجهه.

٢- المعلومات والحقائق التي يمتلكها الفرد حول القضية أو الموقف الإشكالي الذي يواجهه، وهذه تختلف من انسان لآخر بناءً على عواملمتعددة مثل: ثقافة الفرد، تنوع الخبرات الحياتية، والمستوى التعليمي ... إلى آخره.

 هل كل القرارات التي تصدر من اللاوعي خاطئة؟

بالتأكيد، لا! فعندما يمتلك الفرد خبرات مناسبة ومعلومات وحقائق صحيحة اكتسبها خلال حياته حول القضية أو الموقف الإشكالي الذي يواجهه، فإن الفرد يستطيع غالباً اتخاذ قرار مناسب للمشكلة التي يواجهها.

متى تحدث المشكلة في القرارات الصادرة من اللاوعي؟

تحدث المشكلة عندما تكون خبرات الفرد ومعلوماته حول الموقف الإشكالي غير صحيحة أو غير كافية لاتخاذ القرار ‏ الصحيح أو المناسب،وذلك يعود إما لنقص في خبرات الفرد أو لنقص معرفي يتمثل في ‏المعلومات والحقائق حول ‏القضية أو المشكلة التي تواجهه!

لايوجد أحد يعلم كل شئجميعنا نعلم القليل عن كل شئ!

مع تعقد الحياة والتغير في نمط الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ومع الإنفجار الهائل في كمية المعلومات في ‏ وقتنا الحاضر، فإنه من المتوقع أن تزداد تعقد المشكلات (الاجتماعية - النفسية) التي يواجهها الأفراد! وأن يواجه الكثير من الأشخاص في حياتهم اليومية مواقف و أحداث وقضايا لا يمتلكون خبرات أو معلومات كافية عنها ‏والتي تعينهم على اتخاذ حكم أو قرار مناسب! وهذا سوف يجعلهم عرضه ‏لاتخاذ قرارات (تلقائية) غير واعية قد تتعلق في قضايا مصيرية في حياتهم! وهذا سيؤدي بدوره إلى تفاقم المشكلة بدلاً من حلها، والذي سيؤدي فينهاية المطاف إلى عدم التوافق النفسي و الاجتماعي للفرد في محيطه الاجتماعي!

كيف يمكن للأشخاص التعامل مع المشكلات المعقدة؟

المشكلات التي تواجه الأفراد أو الجماعات أو الأسر تكون نتيجة إما لخلل في بناء وتركيبة الفرد، أو الجماعة، أو الأسرة نفسها أو في أسلوبتفاعلهم مع محيطهم الاجتماعي (ذاتية)، وإما لوجود خلل في البيئة المحيطة بهم والتي تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على قدرتهم على أدائهم لأدوارهم النفسية و الاجتماعية بالشكلالمناسب (بيئية).

عندما تكون المشكلات معقدة ومتداخلة فإن عملية الحل تتطلب مهارة عالية ومعرفة علمية عميقة في السلوك البشري، وفي كيفية التعامل مع المشكلات الإنسانية، وهنا يأتي دورالمتخصصين في مراكز الاستشارات الاجتماعية والنفسية في مساعدة الأفراد والجماعات والأسر على مواجهة مشكلاتهم بكفائة وفعالية عالية.

تحتوي مراكز الاستشارات الاجتماعية والنفسية على متخصصين من مختلف التخصصات العلمية والإنسانية و التي تهتم وتركز على التعامل مع المشكلات التي تواجه الأفراد و الجماعات و الأسر. فالأخصائي الاجتماعي يقدم الاستشارات الاجتماعية ويساعد في حل المشكلات الزواجية والأسرية التي تعكر صفو حياة الأفراد، بينما يوفر الاخصائي النفسي الحلول المناسبة للمشكلات النفسية ومشاكل سوء التوافقمع الذات أو مع الآخرين.

يوجد أيضاً العديد من المتخصصين الذين يقدمون المساعدة والمشورة في مجالات دقيقة مختلفة، مثل المشاكل السلوكية لدى الأطفال و متخصصين في العلاج الأُسَري، وغيرها من التخصصات التي تجعل بؤرة اهتمامها تحسين و رفع جودة حياة الأفراد و الجماعات والأسر في المجتمع. و لا يمكن تحسين ورفع جودة حياة الأفراد والأسر قبل القيام بعملية إعادة التوازن والتوافق النفسي و الاجتماعي لديهم، وتذليل الصعوبات والعوائق ذات الآثر السلبي في محيطهم الاجتماعي مثل محاربة الوصم الاجتماعي للمرض النفسي وتوفير إمكانية الحصول و الوصول إلى خدمات العلاج النفسي والاجتماعي لكافة شرائح وفئات المجتمع تحقيقًا لمبدأ العدالة الاجتماعية لكافة أفراد المجتمع.

دمتم بخير...

بقـلـم/

عبدالله بن عبدالعزيز السنبل

محاضر الخدمة الاجتماعية الإكلينيكية
قسم الدراسات الاجتماعية - جامعة الملك سعود
&
مستشار إكلينيكي في مركز بصمات اجتماعية للإرشاد الأسري

Comments

Popular posts from this blog

سؤال وجواب في الخدمة الاجتماعية 2

‏سؤال وجواب في الخدمة الاجتماعية