سؤال وجواب في الخدمة الاجتماعية 2


_سؤال وجواب في الخدمة الاجتماعية_


ماهي الظروف والعوامل التي أسهمت في جعل الممارسة في الخدمة الاجتماعية تتبنى مفهوم عملية التقدير (assessment) ويشيع استخدامها في كثير من مجالاتها كبديل عن مفهوم عملية الدراسة والتشخيص؟

بحاول أن أجيب عن هذا السؤال بشكل تفصيلي قدر الإمكان، فهو موضوع يشكل على الكثير من الطلاب والمتخصصين على حد سوا...

أولاً، يجب أن نضع في الإعتبار أن مهنة الخدمة الاجتماعية حديثة (نسبياً) مقارنة بباقي التخصصات الأخرى، وأن هناك الكثير من الدول التي سبقتنا في تطبيق مفاهيم ومصطلحات جديدة في تخصص الخدمة الاجتماعية (مبنية على أحدث الدراسات والبحوث في الممارسة المهنية)، وأننا متأخرون (نسبياً) في مواكبة أحدث التطورات في مجال الممارسة المهنية (وهذا يعود لقلة الأبحاث والدراسات العلمية لدينا في الممارسة الحديثة في مهنة الخدمة الاجتماعية في الوطن العربي بشكل عام). هذا بدوره سوف يساعدنا على فهم التحولات التي تحدث في مفاهيم ومصطلحات مهنة الخدمة الاجتماعية (بإعتبارها عملية تقويم مستمرة للتخصص تقوم على التقييم المهني، وما أثبتته الدراسات لأفضل أساليب وطرق الممارسة المهنية؛ وغالباً ما يكثر التقويم في بدايات أي عمل).


مهنة الخدمة الاجتماعية (منذ بداياتها حتى وقتنا الحاضر) تقع بين توجهين رئيسيين وهما:

١- النظرة التقليدية القديمة:

الخدمة الاجتماعية التقليدية هي النظرة القديمة في ممارسة الخدمة الاجتماعية من خلال تقسيم طرقها إلى ثلاث طرق رئيسية وهي ( خدمة الفرد، خدمة الجماعة، تنظيم المجتمع)، ولازالت أغلب الجامعات السعودية تقوم بتدريس هذا التوجه للطلاب بشكل مباشر (من خلال تصميم البرامج والخطط الدراسية بناءً على هذا التوجه) أو بشكل غير مباشر.


٢- النظرة الحديثة (الممارسة العامة كتوجه حديث في الممارسة المهنية):

الممارسة العامة هي التوجه الحديث في ممارسة الخدمة الاجتماعية بدلاً من النظرة التقليدية القديمة، وهي مدخل شمولي يعتمد على مفاهيم نظريات أساسية مثل نظرية الأنساق العامة والنظرية الإيكيلوجية (البيئية)، والتي تّمكن و تعطي الأخصائي الاجتماعي القدرة على التعامل مع المشاكل المتعددة والمختلفة (المعقدة) والتي يواجهها العملاء والتي تنتج من تفاعل العميل مع نفسه ومع الأنساق المختلفة في بيئته بشكل شمولي وتكاملي أفضل.

طبعاً قد يتسائل البعض عن علاقة التوجهات في ممارسة مهنة الخدمة الاجتماعية بما يسمى بعملية التشخيص و عملية التقدير؟؟

من المعلوم أن دراسة الحالة، والتي تمثل المادة الأساسية في أسلوب الممارسة المباشرة في الخدمة الاجتماعية، تعتبر من أكثر ما يقوم به الأخصائيين الاجتماعيين في مختلف المؤسسات الاجتماعية. يقوم الأخصائي بدراسة الحالة من خلال اتباع عمليات محددة تساعده على تتبع مراحل العلاقة المهنية (كعلاقة مؤقتة لها بداية ونهاية) وتحديد نوعها، وطبيعتها، وما تحتاجه كل مرحلة من اعتبارات ومهارات مهنية.

مصطلح التشخيص:

يتبع للنظرة التقليدية في ممارسة الخدمة الاجتماعية، والذي يقوم على ما يمسى "بالنموذج الطبي في الممارسة" والذي يحتوي على ثلاث عمليات رئيسية وهي (الدراسة، والتشخيص، والعلاج)، وهي ما تسميها بعض المراجع العربية في الخدمة الاجتماعية أيضا "بعمليات خدمة الفرد". طبعاً هذا النموذج يتبعه أغلب المتخصصون في المهن الطبية (الطبيب، الممرض، أخصائي الأشعة، إلى آخره.). 

أما مصطلح التقدير:

فيتبع هذا المصطلح النظرة الحديثة في ممارسة مهنة الخدمة الاجتماعية من منظور الممارسة العامة كمدخل وتوجه حديث في ممارسة مهنة الخدمة الاجتماعية. وتحتوي الممارسة العامة كمدخل وتوجه حديث على 5 عمليات رئيسية يمكن حصرها  في (التقدير، التخطيط، التدخل المهني، التقويم، المتابعة والإنهاء).

من الاعتبارات التي يجب على الأخصائيين الاجتماعيين الإنتباه لها كفرق بين التوجهين فيما يتعلق بمصطلح (التقدير) هو أن مصطلح التقدير في النظرة الحديثة يوازيه عمليتي (الدراسة والتشخيص) في النظرة التقليدية في الخدمة الاجتماعية. فعملية التقدير تقوم على جمع المعلومات (الدراسة) و تحليل المعلومات وذلك بتحديد المشكلة والأسباب المؤدية لها (التشخيص).


أما عن الأسباب التي دعت إلى التحول من مصطلح التشخيص إلى مصطلح التقدير في مهنة الخدمة الاجتماعية؛ فأهمها مايلي:

١- أن مفهوم التشخيص يكتنف معناه الفعلي عدم مشاركة العميل في عملية التشخيص من خلال عدم إعطاء قيمة لرأيه  في مقابل التحاليل والفحوصات المخبرية (كما يشخص الطبيب المريض دون الرجوع لرأيه). بينما نؤمن في الخدمة الاجتماعية أن العميل يعتبر ركيزة أساسية في العلاقة المهنية و في عملية المساعدة، ولا يمكن إغفال أو إهمال رأيه خلال عملية المساعدة ككل.

مفهوم التقدير يقوم على أساس إشراك العميل في عملية المساعدة، وذلك من خلال فهم المشكلة وطبيعتها من وجهة نظر العميل وعدم تهميش رأيه لما له من دور في فردية الشخص (كإنسان له كرامته و سماته الخاصة والتي يجب ان يضعها الأخصائي الاجتماعي في اعتباره خلال عملية المساعدة). 

لذا، ومن خلال الممارسة المهنية، توصلت أغلب الدراسات في مهنة الخدمة الاجتماعية إلى أن مصطلح التقدير يتوافق ويتماشى مع قيم ومبادئ مهنة الخدمة الاجتماعية (حق تقرير المصير، احترام كرامة الانسان، والإيمان بفرديته) أكثر من مصطلح التشخيص.

٢- أن مفهوم التشخيص يدل على الدقة في تحديد المشكلة وأسبابها (كما يفعل الطبيب أو أخصائي الأشعة مثلاً)، والتي يمكنهم التأكد من صحتها عن طريق عمل اختبارات وتحاليل مخبرية أو أشعة، وهذا ما لا ينطبق فعلياً على ما نقوم به كأخصائيين اجتماعيين.

مفهوم التقدير يعطي وصف أدق لما نقوم به كأخصائيين اجتماعيين، فنحن نقوم بتقدير المشكلة (أفضل رأي مهني يتم الوصول إليه) وتقدير أسبابها (بناءً على ما يتوفر لدينا من معلومات من العميل أو من المصادر الأخرى) التي يرجع لها الاخصائي من أجل الحصول على المعلومات عن الحالة، وهذه المعلومات غير دقيقة دائماً ولا يمكن التأكد من صحتها 100% (كما يفعل الطبيب مثلاً).

لذا كأخصائيين اجتماعيين، عندما نعمل مع عميل ونصل معه لمرحلة التدخل المهني، ثم نكتشف معلومة أو حقيقة جديدة لم تنكشف إلا متأخراً ولها تأثير مباشر على خطة التدخل المهني المتفق عليها مع العميل، فيجب علينا حينها تعديل خطة التدخل المهني لتتناسب مع الحقيقة أو المعلومة الجديدة، وذلك من أجل تحقيق الأهداف المرجوة من عملية المساعدة والتدخل المهني. وهنا يتجلى معنى التقدير، وليس التشخيص كمفهوم علمي دقيق.

٣- كان هناك رغبة وتوجه عام في مهنة الخدمة الاجتماعية في البعد عن استخدام المصطلحات الطبية، وتوازت هذه مع رغبة وتوجه عام (في مرحلة تعزيز مكاسب مهنة الخدمة الاجتماعية) إلى استحداث مصطلحات ومفاهيم خاصة بمهنة الخدمة الاجتماعية والتي تميزها عن باقي التخصصات الأخرى.

جميع هذه العوامل ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى التحول الذي شهدته مهنة الخدمة الاجتماعية في بعض المصطلحات والمفاهيم وكيفية توظيفها في  الممارسة المهنية الحديثة لمهنة الخدمة الاجتماعية.

كثيراً ما وردني هذا التساؤل من متخصصين وطلاب، فأحببت التفصيل فيه قليلاً وإيضاحه للفائدة العامة.

وعذراً على الإطالة ♥️

كتبه/
عبدالله بن عبدالعزيز السنبل
محاضر الخدمة الاجتماعية الإكلينيكية بجامعة الملك سعود

Comments

Popular posts from this blog

"سلوك القطيع و منافاة العقل الواعي!"

‏سؤال وجواب في الخدمة الاجتماعية